تعتبر جغرافية العمران فرعاً من فروع الجغرافية البشرية، حيث تعالج دراسة السكن والسكان في الريف والمدينة على حد سواء. وقد حظي السكن الريفي باهتمام الجغرافيين منذ عام 1925م، حينما تناول الجغرافي الفرنسي ديمانجون Demangeon مفهوم جغرافية السكن الريفي ومنهجه. وبعد ذلك أحرزت دراسة جغرافية السكن الريفي تقدماً كبيراً في ألمانيا وفرنسا وهلندا وبريطانيا.
وقد تركزت الدراسات تلك، على فهم وتحليل البيئات الريفية المعاصرة ومشكلاتها، وخاصة تحليل الظروف التاريخية والحضارية التي نمت وترعرعت في ظلها الأنماط السكنية واللاندسكيب الريفي. كما تعالج جغرافية الريف حالياَ نشأة المساكن الريفية وأنواعها الدائمة وغير الدائمة، والعوامل الجغرافية الطبيعية والبشرية التي تؤثر في توزيع القرى بالريف وأنماطها، بالإضافة إلى أنماط المسكن الريفي وصفاته، ومكوناته وارتفاعه، والتنوع الإقليمي للمساكن الريفية بوجه عام، بالإضافة إلى دراسة سكان الأرياف، ونشاطهم الاقتصادي وعلاقاتهم بالمدن، وإبراز دور المدينة كخلية فاعلة في إقليمها الوظيفي، الذي يضم كل المراكز العمرانية المستفيدة من خدماتها المركزية.
أما جغرافية المدن، فقد انبثقت كعلم من الاهتمامات الإقليمية العامة في الدراسات الجغرافية، وكان الباحث الألماني راتزال Ratzel أول من قام بمحاولات علمية في جغرافية الحضر، عندما ناقش موقع المدينة وموضعها .
وبعيد الحرب العالمية الأولى، تحول اهتمام الجغرافيين إلى الدراسات التفصيلية للمدن، وبخاصة للمدن الأوروبية، ثم معالجة نمو وتطور المدن الأمريكية، وبالتالي تبلورت في تلك الفترة أيضاً دراسات جغرافية المدن (الأمريكية)، والتي تمثل بداية لدراسات النظم الحضرية.
وفي عام 1933م قام الأستاذ كريستلر Christaller بوضع أول القوانين الجغرافية في المدن، وهو قانون "التباعد والحجم". كما صاغ نظرية المكان المركزي Central Place theory. أما بعيد الحرب العالمية الثانية، فقد أصبحت جغرافية الحضر، تأخذ بمنهاج وفلسفة خاصة بها؛ إذ ظهرت دراسات التركيب الداخلي للمدينة على أيدي رواد المدرسة الجغرافية في جامعة شيكاغو.
وأخذت القوانين العلمية تزداد وتتطور في جغرافية الحضر. ففي عام 1939م مثلاً. وضع الباحث جيفرسون Jefferson قانونه المشهور عن المدينة الأولى
Primate city. وكان صراع المدن أول فرع من فروع الجغرافية البشرية في الميدان التطبيقي وفي ميدان التخطيط، رغم حداثة نشأتها.
وأصبحت دراسة جغرافية المدن تركز على دراسة النمو الحضري وعملية التحضر كظاهرة عالمية، وتوزيع المدينة على سطح الأرض، ونوعية البيئة الحضرية وتدهورها. كما تعالج علاقة المدينة بالخصائص الطبيعية والبشرية في تلك البيئة كما تتطرق لمعالجة ظواهر مدينة عامة مثل تركز المدن وتباعدها، واحجامها ورتبها، والمواقع المركزية للمدن ووظائفها، ثم الأقاليم الحضرية، والقاعدة الاقتصادية للمدينة، وقوة العمل بها. وكذلك تركز على دراسة استخدامات الأرض بالمدينة والأنشطة التجارية والترويحية، والمناطق السكنية والصناعية والنقل، ثم التركيب الداخلي للمدينة، والتباين المكاني داخلها، والحركات السكانية من المناطق الريفية إلى المراكز الحضرية، والتوسع الحضري، وبالتالي علاقة المدينة بريفها ومشكلاتها الحضرية.
كما تساهم الظواهر المدنية في التنوع الأرضي الجغرافي، إذ تؤدي إلى تميز الأقاليم والتعرف إلى الشخصيات الإقليمية الحضرية، إذ يمكن من خلال التباين الإقليمي الحضري التعرف إلى الشخصية الإقليمية للأماكن المدنية المختلفة.
ولما كانت المدينة ظاهرة اصطناعية من صنع الحضارة، فإن أقاليم المدن في النهاية هي "أقاليم الحضارة المدنية الجغرافية". فالنظام الحضري والتركيب الداخلي، والتباين المكاني داخل المدينة العربية الإسلامية، جعلها تختلف عنها في النظام الحضري، للمدينة الأوروبية والأمريكية والصينية، ويعني هذا التباين في حقيقته تبايناً حضارياً تشكل مع مرور الزمن.
فالمدينة –بوجه عام – هي انعكاس حقيقي لديانة وعادات وتقاليد وثقافة ذلك الشعب الذي نبتت وتجذرت ثم ترعرعت فيه. فحينما ننظر إلى المدينة الإسلامية، نجدها –بجوامعها ومساكنها وميادينها- تختلف عن المدينة الأوروبية بكنائسها وشوارعها وأنماط مساكنها ومكونات مبانيها، كذلك الحال عن المدن الصينية واليابانية والكورية البوذية بمعابدها ومساكنها وميادينها... الخ.
ويتمثل الهدف الرئيسي في هذه المقدمة، في تعريف الطالب بعبقرية الأرض والإنسان في وطنه العربي، ودوره في تشييد المدن منذ القدم، ثم انتقالها إلى أقاليم الحضارات الأخرى من العالم، في باكستان والصين وربما أمريكا الوسطى.
وعليه فالمدينة هي وثيقة تاريخية للحضارات القديمة والحديثة بآثارها العمرانية من مساكن وشوارع وقلاع وأسوار، وجوامع وكنائس وميادين عامة، وقنوات وأنفاق وبرك وسدود وغيرها. حيث ينعكس ذلك في شلك شوارعها، وميادينها ومبانيها ومرافقها، واستخدامات الأرض الأخرى فيها. بحيث أننا لا نستطيع فهم المدينة، ما لم نعد للخلفية التاريخية التي قامت عليها المدينة، وتطورت منذ كانت بذرة (نواة)، حتى أضحت نبتة قوية في موقعها الجغرافي الفعال، وفي موضعها الجغرافي الخصيب، تغطي جزءاً من المكان، وتقدم خدمة وظيفية لسكانها في الداخل وفي ريفها المحيط.
كما تركز الدراسة حالياً في هذا الموضوع، على معالجة العمران الريفي في العالم بوجه عام، وفي وادي الرافدين ووادي النيل على وجه الخصوص. كما تتناول أسس تعريف المدينة، ونشأتها وتطورها منذ فجر التاريخ، ومقارنة ذلك بين خطط المدينة القديمة مع المدن الحديثة، حيث إن التطور التاريخي للمدينة، يمثل البعد الثالث الهام في الجغرافية، وهو البعد الزمني.
كما ستتطرق هذه الدراسة لموقع وموضع المدينة الجغرافي، وتحليل البيئة الحضرية لها، ثم تتناول مورفولوجيتها (شكلها) ومنظرها الخارجي وتركيبها الداخلي، والتطور المدني الحديث، ووظائفها وحجم المدينة، وهرميتها وتركيبها الوظيفي، والنظريات التي عرضت بهذا الصدد، واستخدام الأرض في المدينة، وحافة المدينة الريفية- الحضرية، ثم إقليم المدينة الوظيفي، ومعايير تحديده، سواء في الولايات المتحدة أو في البلدان العربية كأمثلة نموذجية في مثل هذه الدراسات، ومعالجة المشكلات الحضرية للمدن الحديثة، ثم تدريب الطلبة على التطبيقات الحضرية لبعض المدن العربية والفلسطينية، والتأكيد على التخطيط الحضري العصري وعلاقة المدن بالتنمية الاقتصادية، وتأثيرها الفاعل على نمو المدينة وتطورها في المستقبل.
إن الهدف الرئيسي من هذا البحث، هو خلق التوازن في التنمية الاجتماعية والاقتصادية بين المناطق الريفية والحضرية، حتى يوقف سيل الهجرة الداخلية المتدفقة نحو المراكز الحضرية باستمرار، الأمر الذي أدى لتضخمها العملاق، خاصة في الدول النامية على وجه الخصوص.
لقد أصبحت جغرافية العمران فرعاً رئيسياً من فروع الجغرافية، خاصة في نهاية القرن العشرين الماضي. إذ أنها تنير السبل أمام صانعي القرار ورجال التخطيط، سواء على المستوى المحلي والإقليمي أو على المستوى الدولي، عند تنفيذ برامج التخطيط المختلفة، حيث ينتهي الأمر بوضع أسس سليمة وواقعية مواتية ومرغوب فيها، وذلك لإيجاد بيئة حضرية نظيفة ولائقة تتواءم مع مدينتنا العصرية وريفها المحيط، وتفادي مشكلاتها العصرية من تلوث وتشرد وفقر وحرمان ومجاعات، مما تواجهه معظم المدن في العالم النامي، سواء في تركيبها الداخلي أو في ريفها الخارجي المحيط بها.